محمد بن محمد ابو شهبة

139

المدخل لدراسة القرآن الكريم

يقولان : الخمر مباحة ، ويحتجان بقوله تعالى : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 93 ) [ المائدة : 93 ] ، ولو أنهما علما سبب النزول لما قالا ذلك ، ولكن خفي عليهما ، فوقعا في هذا الرأي الشاذ ، فقد روي : أن ناسا قالوا لما حرمت الخمر : « كيف بمن قتلوا في سبيل اللّه ، وماتوا ، وكانوا يشربون الخمر ، وهي رجس فنزلت » . رواه أحمد والنسائي وغيرهما . فدل سبب النزول على أن ذلك كان قبل التحريم ، وأن الآية لا تصلح دليلا لذلك ، وأيضا فكيف تجامع التقوى شرب الخمر ، ولذلك لما حاج سيدنا عمر قدامة وصاحبه قال : « كيف يجامع شرب الخمر التقوى » ! ه - ومن ذلك ما روي في الصحيح عن مروان بن الحكم « 1 » أنه أشكل

--> نبهنا إلى هذا الغلط أستاذنا الشيخ المحدث محمد حبيب اللّه الشنقيطي - رحمه اللّه - ونحن نقرأ عليه كتاب « الإتقان » ومن العجيب أن الذين علقوا على البرهان وزعموا أنهم حققوه قد فات عليهم هذا الغلط . ( 1 ) هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي أبو عبد الملك ، وقد ولد بعد سنتين من الهجرة ، وقيل سنة ثلاث ، وعلى هذا يكون له عند وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم إما ثمان سنين أو سبع ، فيكون مميزا في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم لكن لم تثبت له صحبة ولم يعده أحد في الصحابة ، وقد أسلم أبوه يوم الفتح ، وأخرج إلى الطائف وهو معه فلم يثبت له أي بعد من الرؤية ، ولم تثبت له رواية عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقد روي عن غير واحد من الصحابة منهم عمر وعثمان وعلي ، وزيد بن ثابت ، وغيرهم ، وروى عنه بعض الصحابة كسهل بن سعد وهو أكبر منه سنّا وقدرا ؛ لأنه صحابي ، وروى عنه من التابعين ابنه عبد الملك ، وعلي بن الحسين ، وعروة بن الزبير وسعيد بن المسيب ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وغيرهم ، وكان يعد في الفقهاء ، وقد قرنه البخاري بالمسور بن مخرمة في حديث قصة صلح الحديبية ، وفي بعضها إنما رويا ذلك عن بعض الصحابة ، وفي أكثرها أرسلا الحديث ، وهو يعد من كبار التابعين ، ومن الثقات ، وقد كان مكتبا لعثمان في خلافته ثم ولي إمرة المدينة في عهد معاوية وقد آلت إليه الخلافة بعد موت معاوية بن يزيد ، وكانت مدته في الخلافة نحو نصف سنة ، وكانت وفاته في شوال سنة خمس وستين للهجرة ، وكان قد عهد إلى ولده عبد الملك بالخلافة ، قالوا : وهو أول من ضرب